تناوب حروف الجر

الثلاثاء 26 ربيع الثاني 1438 هـ الموافق 24 يناير 2017 م
تناوب حروف الجر

فريد لطفي أحمد

 

الأصل في حروف الجر أَن يكون لكلِّ حرف منها مكانٌ يحله، ومعنًى يؤدِّيه حين تركيبه مع غيره؛ لأنَّ الحرف بصِفة عامَّة: هو ما دلَّ على معنًى في غيره، غير أنَّ العرَب تتوسَّع فيها، فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربَت المعاني [1].

وقد ذكر العلماء أنَّ تناوب حروف الجر "بابٌ في العربية دقيق المداخل والمخارج، ويفضي إلى غير قضيَّة، وهو بابٌ يمسك النُّحاةُ منه بطرَف، وأهل البيان بطرف آخر؛ لأنَّه بابٌ يُسَلَّطُ فيه النَّظر على المبنى والمعنى، وللعلماء فيه مذاهب شتَّى، ودروب متباينة، وتأويلات مختلفة، ولكنَّه على ما فيه من عناء ممتع شائق لطيف؛ لأنَّ النظر فيه عمل من أعمال العقل، تنقدح الحقائق للنَّاظر فيه بعد طول تأمل وإمعان نظر" [2].

وقد أوردَ اللغويون والنُّحاةُ شواهدَ تلك الظَّاهرة متناثرة في ثنايا كتبهم أحيانًا، وأفرد لها بعضهم أبوابًا مستقلَّة في أحيان أخرى[3].

وقد انقسمَ النحاةُ وطال بينهم الخلاف حول قبول نِيابة حروف الجرِّ بعضها عن بعض إلى فريقين:

الأول: ذهب الكوفيُّون وبعض البصريين إلى أنَّ حروف الجرِّ يجوز أن تنوب عن بعضها البعض، وحجَّتهم في ذلك كَثرة الشواهد المسموعة من القرآن الكريم والشعر العربي [4].

♦ ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ [البقرة: 185]؛ أي: لهدايته إيَّاكم.

♦ وقوله: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71]؛ أي: على جذوع النَّخل.

♦ وقوله: ﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [محمد: 38]؛ أي: على نفسه.

وقال الشاعر:

وإن يلتق الحيُّ الجميعُ تلاقني ♦♦♦ إلى ذِروة البيت الرَّفيع المُصَمَّدِ[5]

أي: في ذروة البيت.

وقال آخر:

فإن تسألوني بالنساءِ فإنَّني ♦♦♦ بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيب [6]

أي: عن النساء.

وقد بلغَت شواهد هذه الظَّاهرة من الكثرة إلى الحدِّ الذي قال معه ابن هشام الأنصاري:

"ولو ذكرتُ أحرف الجرِّ ودخول بعضها تحت بعض في معناه، لجاء من ذلك أمثلة كثيرة"[7].

الثاني: ذهب البصريُّون إلى أَنَّ حروفَ الجرِّ لا ينوب بعضها عن بعض، وهذا ظاهرُ كلام سيبويه، وعليه أغلب النُّحاة، وبه قال بعض المحدثين [8].

وهؤلاء قد قاسوا حروفَ الجرِّ على أحرف النَّصب والجزم، فكما لا يَجوز في هذه الحروف أن ينوب بعضها عن بعض، كذلك لا يَجوز في حروف الجرِّ أن يحدث تناوب.

فإن ورد ما أَوْهم خلاف ذلك، فهو مؤوَّل؛ إمَّا على التضمين، أو على المجاز.

فمن الأول: قوله تعالى: ﴿ أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 52]؛ إذ ضمن (عاكفون) معنى (عابدون)[9].

ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71]؛ حيث إنَّ المصلوب لتمكُّنه من الجذع كأنَّه قد صار فيه[10].

وقد وصف ابنُ القيم من يقولون بنيابة الحروف بعضها مكان بعض بـ (ظاهرية النحاة) الذين لا يسبرون أغوار المعاني، وانتصر للبصريِّين ومذهبهم، حتى أطلق عليهم (فقهاء العربية)[11].

وقد حاول ابن جنِّي أن يتوسَّط، فقال: "ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا - أي: الكوفيون - لكنَّا نقول: إنَّه يكون بمعناه في موضع دون موضِع على حسب الأحوال الدَّاعية إليه والمسوغة له، فأمَّا في كل موضع وعلى كل حال، فلا؛ ألا ترى أنَّك إن أخذتَ بظاهر هذا القول لزمك أن تقول: (سرت إلى زيد) وأنت تريد (معه).؟ وأن تقول: (زيد في الفرس) وأنت تريد (عليه)"[12].

ويمكن أن يقال: إنَّه لم يقل أحد من الكوفيين بتناوُب الحروف في كلِّ حال، وإنَّما اقتصروا على المسموع، وعلى هذا فما ذهب إليه ابنُ جني هو عين مذهب الكوفيين.

والذي يلوح لي أنَّ رأي الكوفيين هنا أَيسر وأَقرب للفهم؛ لِما ورد من شواهد في القرآن والشعر وكلام العرب.

أما من منعه، فإنه يُرَدُّ عليهم بما يأتي[13]:

أولاً: أنهم لَجؤوا إلى الاستعمال المجازي مع إمكان الاستعمال الحقيقي.

ثانيًا: أنَّهم قالوا بالتضمين هروبًا من القول باستعمال حرف مكان حرف، فوقعوا فيما هربوا منه؛ وذلك أنَّ الفعل بمعنى فعل آخر.

ثالثًا: عندما يعجزون عن التأويل، فإنَّهم يقولون بالشذوذ، ولا يمكن أن يقال في ما جاء في القرآن وكلام العرب: إنه شاذ.

[1] ينظر: الكتاب (1/ 310)، والأصول لابن السراج (1/ 414)، والمقتضب (1/ 39) (4/ 139).

[2] تناوب حروف الجر في لغة القرآن، ص: (5) د. محمد حسن عواد، دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1402هـ، 1985م.

[3] كما فعل ابن قتيبة حين عقد في كتابه: (أدب الكاتب) بابًا بعنوان: (باب دخول بعض الصِّفات مكان بعض)، ص: (506)؛ لأبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: محمد الدالي، طبعة مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ، والخصائص (2/ 306) (الأزهية) ص (277، وما بعدها)، وفِقه اللغة وأسرار العربية (ص 395، وما بعدها)؛ لأبي منصور الثعالبي، شرَحه وقدَّم له ووضع فهارسه: د. ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الثانية، 1420هـ، 2000م.

[4] ينظر: مغني اللبيب (1/ 152) النحو الوافي (2/ 564، وما بعدها)، ومعاني النحو؛ لفاضل السامرائي (3/ 6، وما بعدها)، ظاهرة التقارض في الدرس النحوي، ص: (47)، د. عبدالله أحمد جاد الكريم، مكتبة الآداب، الطبعة الأولى1423هـ، 2002م.

[5] البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه، ص: (24)، تحقيق: مهدي محمد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1423هـ - 2002 م، والأزهية ص (274)، وخزانة الأدب (9/ 469)، مقاييس اللغة، مادة (صمد)؛ لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبدالسلام هارون، دار الفكر، 1399هـ، 1979م، المعجم المفصل (2/ 439)، والشاهد فيه: استعمال (إلى) بمعنى (في).

[6] البيت من الطويل؛ وهو لعلقمة الفحل في ديوانه بشرح السيد أحمد صقر، ص: (11)، المطبعة المحمودية بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1353هـ، 1935م، وأدب الكاتب، ص: (508)، والأزهية، ص: (284)، والجنى الداني، ص: (41)، والمقاصد النحوية (4/ 1592)، وهمع الهوامع (2/ 338)، المعجم المفصل (1/ 309)، والشاهد فيه: استعمال الباء بمعنى (عن).

[7] مغني اللبيب (2/ 881).

[8] ينظر: الكتاب (4/ 217)، والأصول في النحو؛ لابن السراج (1/ 414)، والجنى الداني، ص: (46) ومغني اللبيب (1/ 152)، ومعاني النحو؛ للسامرائي (3/ 7)، تناوب حروف الجر في لغة القرآن، ص: (5).

[9] ينظر: البحر المحيط (6/ 299).

[10] ينظر: المفصل، ص: (381)، ومغني اللبيب (1/ 152).

[11] ينظر: بدائع الفوائد؛ لابن القيم (2/ 31)، تحقيق: محمد بن إبراهيم الزغلي، عمان، دار المعاني، 1402هـ، 1990م.

[12] الخصائص (2/ 308).

[13] ينظر: اختيارات أبي حيان (2/ 534).

 

 

 

الأكثر قراءة

أنزل اللهُ تعالى القرآن الكريم باللّغة العربيّة على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون هادياً للناسِ ونذيراً ودستوراً دائماً لهم: (إنَّ أَنزَلنَاهُ قُرآناً عَربِيّاً لَعلّكُم تَعقلُون)، ووعد جلَّ جلاله بصونه من النّسيان والتّحريف، قال: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون)
منهج الفراء الدلالي والنحوي من خلال كتابه معاني القرآن

أنزل اللهُ تعالى القرآن الكريم باللّغة العربيّة على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون هادياً للناسِ ونذيراً ودستوراً دائماً لهم: (إنَّ أَنزَلنَاهُ قُرآناً عَربِيّاً لَعلّكُم تَعقلُون)، ووعد جلَّ جلاله بصونه من النّسيان والتّحريف، قال: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون)

عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]:
أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3].

:
عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]:
أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3].
 
وثانيها: حَدَث: وهو "فعل الفاعل"، فلو قلنا: قام زيدٌ، فإن القيامَ حَدَث له صورة في ذهن السامع والمُتكلِّم، و كلُّ حدث لا بدَّ له من زمنٍ مصاحبٍ له؛ أي: وقت يقع فيه، وهذا يسمِّيه النحاة: "الفعل".
أنواع الكلمة وأهمية تحديد النوع

عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]: أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3]. : عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]: أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3]. وثانيها: حَدَث: وهو "فعل الفاعل"، فلو قلنا: قام زيدٌ، فإن القيامَ حَدَث له صورة في ذهن السامع والمُتكلِّم، و كلُّ حدث لا بدَّ له من زمنٍ مصاحبٍ له؛ أي: وقت يقع فيه، وهذا يسمِّيه النحاة: "الفعل".

العوارض لغةً:
العوارض: جمع عارض؛ قال الأزهري ت 370هـ: "كل مانعٍ منَعك من شغلٍ وغيره من الأمراض، فهو عارض، وقد عرَض عارضٌ؛ أي: حال حائلٌ، ومنَع مانعٌ، ومنه قيل: لا تَعرِض لفلان؛ أي: لا تَعترض له، فتَمنَعه باعتراضك أن يقصد مرادَه، ويذهب مَذهبه، ويقال: سلكتُ طريقَ كذا، فعرَض لي في الطريق عارضٌ؛ أي: جبل شامخ قطَع عليَّ مذهبي"[1].


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/103490/#ixzz4E8qLYOgu
تعريفات العوارض الكلامية

العوارض لغةً: العوارض: جمع عارض؛ قال الأزهري ت 370هـ: "كل مانعٍ منَعك من شغلٍ وغيره من الأمراض، فهو عارض، وقد عرَض عارضٌ؛ أي: حال حائلٌ، ومنَع مانعٌ، ومنه قيل: لا تَعرِض لفلان؛ أي: لا تَعترض له، فتَمنَعه باعتراضك أن يقصد مرادَه، ويذهب مَذهبه، ويقال: سلكتُ طريقَ كذا، فعرَض لي في الطريق عارضٌ؛ أي: جبل شامخ قطَع عليَّ مذهبي"[1]. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/103490/#ixzz4E8qLYOgu





التنازع: أنْ يطلب المعمولَ عاملان تقدّما عليه. نحو قولك: [سافر وعاد خالدٌ]. فكلٌّ من الفعلين المتقدمَيْن: [سافر ورجع] يطلب فاعلاً هو كلمة: [خالدٌ]. ونحو الآية: ]آتوني أُفْرِغْ عليه قِطْراً[ (الكهف 18/96) فكلٌّ من الفعلين المتقدمين: [آتوني وأفرغ] يطلب مفعولاً به، هو كلمةُ [قِطراً]: (القِطر النحاس الذائب).



الحكْم:

لك أن تُعمِل في الاسم الظاهر أيَّ العاملين شئت، فيكون العامل الآخرُ عاملاً في الضمير(1).

* * *

نماذج مشروحة من التنازع!!

(النماذج هنا والتعليق عليها مقبوسان من شرح ابن عقيل)

ظنَّني وظننتُ زيداً قائماً إيّاه - ظننتُ وظنّنيهِ زيداً قائماً.

ظننتُ وظنّني إيّاه زيداً قائماً - أظنُّ ويظنّاني زيداً وعمراً أخوين.

ولقد رأى ابن عقيل - أثابه الله- أنّ ما صاغه ابن مالك ومثّل له، في باب التنازع، محتاج إلى شيءٍ !! من الشرح، وهو قولُه:

وأظهرِ انْ يكن ضمير خَبَرا لغير ما يطابق المفسَّـرا 

نحو: أظنُّ ويظنّاني أخَا زيداً وعمراً أخوين في الرَخا

فانبرى يشرح ذلك فقال ما نصّه: (1/555)

[يجب أنْ يُؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدمُ مطابقته لما يفسِّره، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّرُهُ مثنى، نحو (أظن ويظناني زيداً وعمراً أخوين) فـ (زيداً) مفعول أوّل لأظُنُّ، و(عمراً) معطوف عليه، و(أخوين): مفعول ثانٍ لأظنُّ، والياء: مفعول أوّل ليظنّان، فيحتاج إلى مفعول ثانٍ. فلو أتيت به ضميراً فقلت: (أظنّ ويظناني إيّاه زيداً وعمراً أخوين)، لكان (إيّاه) مطابقاً للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين)؛ لأنه مفرد، و(أخوين) مثنى؛ فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز].

وتابع ابن عقيل شرحه وتبيينه فقال (1/556):

[وإن قلت: (أظنُّ ويظنّاني إيّاهما زيداً وعمراً أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ وذلك لكون (إيّاهما) مثنى، و(أخوين) كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني - الذي هو خبر في الأصل - للمفعول الأول، الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو (إيّاهما)، ولابدّ من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار؛ فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيداً وعمراً أخوين). فـ (زيداً وعمراً أخوين): مفعولا أظنّ، والياء مفعول يظنان الأول، و(أخا) مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة - حينئذٍ - من باب التنازع لأن كلاً من العاملَين عمل في ظاهر].
مفهوم التنازع في العربية

التنازع: أنْ يطلب المعمولَ عاملان تقدّما عليه. نحو قولك: [سافر وعاد خالدٌ]. فكلٌّ من الفعلين المتقدمَيْن: [سافر ورجع] يطلب فاعلاً هو كلمة: [خالدٌ]. ونحو الآية: ]آتوني أُفْرِغْ عليه قِطْراً[ (الكهف 18/96) فكلٌّ من الفعلين المتقدمين: [آتوني وأفرغ] يطلب مفعولاً به، هو كلمةُ [قِطراً]: (القِطر النحاس الذائب). الحكْم: لك أن تُعمِل في الاسم الظاهر أيَّ العاملين شئت، فيكون العامل الآخرُ عاملاً في الضمير(1). * * * نماذج مشروحة من التنازع!! (النماذج هنا والتعليق عليها مقبوسان من شرح ابن عقيل) ظنَّني وظننتُ زيداً قائماً إيّاه - ظننتُ وظنّنيهِ زيداً قائماً. ظننتُ وظنّني إيّاه زيداً قائماً - أظنُّ ويظنّاني زيداً وعمراً أخوين. ولقد رأى ابن عقيل - أثابه الله- أنّ ما صاغه ابن مالك ومثّل له، في باب التنازع، محتاج إلى شيءٍ !! من الشرح، وهو قولُه: وأظهرِ انْ يكن ضمير خَبَرا لغير ما يطابق المفسَّـرا نحو: أظنُّ ويظنّاني أخَا زيداً وعمراً أخوين في الرَخا فانبرى يشرح ذلك فقال ما نصّه: (1/555) [يجب أنْ يُؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدمُ مطابقته لما يفسِّره، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّرُهُ مثنى، نحو (أظن ويظناني زيداً وعمراً أخوين) فـ (زيداً) مفعول أوّل لأظُنُّ، و(عمراً) معطوف عليه، و(أخوين): مفعول ثانٍ لأظنُّ، والياء: مفعول أوّل ليظنّان، فيحتاج إلى مفعول ثانٍ. فلو أتيت به ضميراً فقلت: (أظنّ ويظناني إيّاه زيداً وعمراً أخوين)، لكان (إيّاه) مطابقاً للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين)؛ لأنه مفرد، و(أخوين) مثنى؛ فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز]. وتابع ابن عقيل شرحه وتبيينه فقال (1/556): [وإن قلت: (أظنُّ ويظنّاني إيّاهما زيداً وعمراً أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ وذلك لكون (إيّاهما) مثنى، و(أخوين) كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني - الذي هو خبر في الأصل - للمفعول الأول، الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو (إيّاهما)، ولابدّ من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار؛ فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيداً وعمراً أخوين). فـ (زيداً وعمراً أخوين): مفعولا أظنّ، والياء مفعول يظنان الأول، و(أخا) مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة - حينئذٍ - من باب التنازع لأن كلاً من العاملَين عمل في ظاهر].

الأصل في حروف الجر أَن يكون لكلِّ حرف منها مكانٌ يحله، ومعنًى يؤدِّيه حين تركيبه مع غيره؛ لأنَّ الحرف بصِفة عامَّة: هو ما دلَّ على معنًى في غيره، غير أنَّ العرَب تتوسَّع فيها، فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربَت المعاني [1]
تناوب حروف الجر

الأصل في حروف الجر أَن يكون لكلِّ حرف منها مكانٌ يحله، ومعنًى يؤدِّيه حين تركيبه مع غيره؛ لأنَّ الحرف بصِفة عامَّة: هو ما دلَّ على معنًى في غيره، غير أنَّ العرَب تتوسَّع فيها، فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربَت المعاني [1]

مواضيع عشوائية