منهج الفراء الدلالي والنحوي من خلال كتابه معاني القرآن

الثلاثاء 27 ذو القعدة 1437 هـ الموافق 30 أغسطس 2016 م
منهج الفراء الدلالي والنحوي من خلال كتابه معاني القرآن

.

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

أنزل اللهُ تعالى القرآن الكريم باللّغة العربيّة على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون هادياً للناسِ ونذيراً ودستوراً دائماً لهم: (إنَّ أَنزَلنَاهُ قُرآناً عَربِيّاً لَعلّكُم تَعقلُون)، ووعد جلَّ جلاله بصونه من النّسيان والتّحريف، قال: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون)

ومن هذا المنظور كان لزاماً على علماء اللغة والنّحو الحفاظ عليه من أيّ لحنٍ قد يأتيه من أولئك الذين اعتنقوا الإسلام من غير العرب؛ أو ممَّن كان لاحتكاكهم بالشّعوب الأخرى أثر في لغتهم، فأصاب لسانهم لكنةٌ أبعدتهم عن الفصاحة، ويجب ألاَّ ننسى أنَّ القرآن الكريم هو السبيل للبحث في لغة العرب نثرها وشعرها؛ لتكون معينة على فهمه وتفسيره، وهو وسيلة الاحتجاج التي يعتمدها النّحاة في ضبط اللغة وتقعيدها، حيث إنّ الكثير من قرَّائه أسّسَ قواعد العربية على ما جاء في القرآن، ولا عجب في ذلك فجلهمّ من النحاة: "فمن البصريين: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي، ومن الكوفيين: علي بن حمزة الكسائي، ويحيى بن زياد الفرّاء ، وماهذا البحث الصغير إلا محاولة لإلقاء الضوء على أنموذج من نماذج النحويين وحديثهم عن القراءات القرآنية وهذا النموذج هو  إمام الدرسة الكوفية في النحو وهو الإمام يحي بن زياد الفراء وكتابه (معاني القرآن ) علنا أن نستبين منهج هذا الإمام في توجيهه للقراءة القرآنية ، وقد قُسم هذا البحث إلى مقدمة وأربع مباحث تحدث المبحث الأول عن سيرة الفراء ومهجه النحوي ومنهجه في كتاب معاني القرآن خاصة ، أما المبحث الثاني فكان للتوجيه النحوي لديه ، والمبحث الثالث كان للتوجيه الدلالي ، أما المبحث الرابع فكان لتوجيه القراءات القرانية ، ولأستاذنا الفاضل الدكتور محمد عطيه كل الشكر والتقدير حيث كان سببا في هذا البحث ، والله ولي التوفيق  .

المبحث الأول : الفراء سيرته ومنهجه : 

هو يحي بن زياد بن عبدالله بن منظور الديلمي ، أبوزكريا الفراء ، ولد بالكوفة سنة144هـ ونشأبها وأخذ يكب منذ نشأته على حلقات المحدثين والقراء أمثال أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة ، واختلف إلى حلقات الفقهاء ورواة الأشعار والأخبار والأيام ، وأكثر من الاختلاف إلى حلقة أبي جعفر الرواسي وكأنه لم يجد عنده مايريد من علم العربية ، مماجعله يرحل إلى البصرة وتتلمذ على يد يونس بن حبيب وحمل كثيرا عنه مما كان يرويه من لغات الأعراب وأشعارهم ، وتلقى مبادئ الاعتزال وظل مؤمنا بها حفيا ، مماجعل مترجموه يقولون إنه كان متكلما يميل للاعتزال ، وآثار اعتزاله واضحة في كتابه معاني القرآن إذ نراه يقف مرارا للرد على الجبرية.

ثم عاد إلى مسقط رأسه بعد أن حمل من ذلك أوزارا كثيرة ، وكانت شهرة مواطنه الكسائي قد أخذت تدوي في بلدته ، فرحل إلى بغداد ، ولزمه منذ عصر المهدي وأخذ كل ماعنده ، ومضى يتفرغ للنحو واللغة والقرآن ، حتى إذا وجد أستاذه يطلب كتاب سيبويه ويمليه عليه الأخفش انقض على هذا الكتاب يلتهمه التهاما . وقد خالف البصريين في أربع مسائل أساسية ، أما المسألة الأولى فهي عدم تفرقته بين ألقاب الإعراب والبناء ، والمسألة الثانية فهي أن المصدر مشتق من الفعل ، والثالثة هي إعراب الأفعال ، وأنه أصل فيها كالأسماء لا أنه أصل في الأسماء فرع من الأفعال ، أما المسألة الرابعة فمسألة الأفعال وأقسامها ، فالبصريون يقسمون الفعل القسمة المعروفة ماض ومضارع وأمر ، وأما الفراء وتبعه الكوفيون فقسمه إلل ماض ومضارع ودائم ، وهو لا يريد بالدائم فعل الأمر ، وإنمايريد اسم الفاعل ، أما فعل الأمر فمقتطع عنده من المضارع المجزوم بلام الأمر .                                                                                         وقد أكثر من التبديل والتغيير في مصطلحات النحو التي وضعها الخليل وسيبويه وأضاف إليها بعض المصطلحات الجديدة ، مثل تسمية التمييز مفسرا والنفي بالجحد والفعل المتعدي باسم الفعل الواقع ، والبدل بالتكرير.  ،أما منهجه في معاني القرآن فيمكن إجماله في هذه النقاط : 

1- التعليل بكثرة كلام العرب : فقد علل الفراء كثيرا من الظواهر النحوية والصرفية بكثرة استخدامها في كلام العرب، ومن ذلك تعليله حذف الياء من المنادى في (يابن أم ) بكثرة تداولها في كلام العرب ، ونبه على أن مالا يستعمل عندهم لم يحذفوا منه شيئا فقال :",قوله تبارك وتعالى ( قال : ابن أم ) يقرأ ( ابن أمَ ) و (أمِ ) بالنصب والخفض ، وذلك بأنه كثر في الكلام فحذفت العرب منه الياء ، ومن ذلك تعليله قوله تعالى ( لا جرم أنهم ) كلمة كانت في الأصل بمنزلة ( لابد أنك قائم ) و( لامحالة أنك ذاهب ) ، فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياه حتى صارت بمنزلة حقا .

2- التعليل بالقلة : كما علل الفراء بالكثرة في كلامهم علل بالقلة في كلامهم أيضا وذلك قوله : ( وجعلنا لكم فيها معايش ) أراد الأرض و(من لستم له برازقين ) (من) في موضع نصب ، يقول جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء ، قد جاء أنهم من الوحوش والبهائم و (من ) لا يفرد بها البهائم ولا ماسوى الناس، فإن يكن ذلك على ما روي فنرى أنهم أدخل فيهم المماليك على أنا ملكناكم العبيد والإبل والغنم وما أشبه ذلك فجاز ذلك.

3- التعليل بالثقل : فوجد الفراء في هذه الظاهرة مجالا رحبا لتعليلاته فأكثر من الاتكاء عليها ، ومن ذلك تعليله حذف الواو في قوله تعالى ( أو هم قائلون ) قال المعنى أهلكناهم فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ، فاستثقلوا نسقا على نسق ولو قيل لكان جائزا ، كما تقول في الكلام أتيتني واليا أو وأنا معزول ، وإن قلت أو أنا معزول فأنت مضمر للواو .

4- التعليل بالخفة : فعلل الفراء الخفة بالنطق ، ففي قوله تعالى (فعميت عليكم ) قرأها يحي بن وثاب والأعمش وحمزة وهي في قراءة أبي (فعماها عليكم ) وسمعت العرب تقول : قد عمي علي الخبر وعمي علي بمعنى واحد ، فاستخفوا بذلك إذا كان المعنى معروفا . 

5- التعليل بالقبح : يرى الفراء أن الكلام ينبغي له أن يكون متفقا والذوق اللغوي مستساغا فيه ، فإذا رأى ظاهرة تنبو عن الحس اللغوي اطرحها متعللا بالقبح ومن ذلك قوله ( وأجدر ألا يعلموا) .

6- التعليل بالكره ، ومنه تعليله فتح العين في المصدر الميمي واسمي الزمان والمكان المصوغات من فعل أجوف مضموم العين في المضارع أو مفتوحها بكراهة قلب الواو ياء وذلك قوله ( وإذا كان  يفعل مفتوحا من ذوات الياء والواو مثل يخاف ويهاب ، فالاسم والمصدر منه مفتوحان مثل المخاف والمهاب ، وماكان من الواو مضموما مثل يقول ويقوم ويعود ويقود وأشباهه فالاسم والمصدر فيه مفتوحان ، وإنما فتحوه إذا نووا الاسم ولم يكسروه كما كسروا المغرب لأنهم كرهوا تحول الواو إلى الياء فتلتبس الواو بالياء .

7- التعليل بالتوهم : ومن ذلك فيما أثر عن العرب أن الكلمتين إذا اتفقتا في اللفظ والمعنى لم يجز إضافة إحداهما إلى الأخرى ، وإذا اختلفتا في اللفظ واتحدتا في المعنى جاز عقد الإضافة بينهما كقوله تعالى :(والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) وجاء الفراء ليعلل ذلك بتوهمهم اختلافهما في المعنى كما اختلفتا في اللفظ

 

المبحث الثاني  :الجانب النحوي

قال تعالى (( واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان)). قال الفراء: " كما نقول في ملك سليمان ، تصلح (في وعلى )في مثل هذا الموضع . تقول : أتيته في عهد سليمان وعلى عهد سليمان ".

وقوله تعالى : (( إنما نحن فتنة فلا تكفر )) .قال :" ليست بجواب لقوله ( ومايعلمان ) إنما هي مردودة على قوله ( يعلمون الناس السحر ) فيتعلمون مايضرهم ولا ينفعهم فهذا وجه فيكون ( فيتعلمون ) متصلة بقوله ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) ويأبون فيتعلمون مايضرهم وكأنه أجود الوجهين في العربية والله أعلم ...)

وقوله تعالى (( ولقد علموا لمن اشتراه في الآخرة ...)). قال الفراء : "     ( من ) في موضع رفع على الجزاء لأن العرب إذا أحدثت على الجزاء  اللام صير ما فعله على جهة فعل ولا يجعلونه على يفعل كراهية أن يحدث الجزاء حادث وهو مجزوم ..." ، ثم قال " الا ترى أنهم يقولون : سل عما شئت وتقول لاآتيك ماعشت ولا يقولون ماتعش لأن "ما"  في تأويل الجزاء وقد وقع عليها ماقبلها ".

وفي قول الله تعالى: (( مايود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين...))  قال الفراء : " معناه ومن المشركين ولو كانت " المشركون " رفعا مردودة على الذين كفروا " كان صوابا ومثلها في المائدة " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء "وكذلك قوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين )) قال الفراء : موضع خفض على قوله تعالى (( من أهل الكتاب ومن المشركين ولو كانت رفعا كان صوابا ترد الذين كفروا )).                                                       قال تعالى : ((أم تريدون أن تسئلوا رسولكم ...)) قال الفراء " أم في المعنى تكون على الاستفهام من جهتين احداهما : أن تفرق معنى " أي " والأخرى أن يستفهم بها ."  وقال لو ابتدأت بها كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت لم يكن إلا بالألف  أوبهل ومن ذلك قوله تعالى : ( ألم تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين , أم يقولون افتراه ) فجاءت أم وليس قبلها استفهام فهذا دليل على أنه استفهام على كلام قد سبقه  أم قوله ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم )) فإن شئت جعلته على مثل هذا ، وإن شئت استفهمت  فرد عليه وهو قوله تعالى (( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير )).  أما قوله تعالى (( كفارا ...)) قال الفراء : هنا انقطع الكلام ، ثم قال ( حسدا ) كالمفسر لم ينصب على أنه نعت للكفار وإنما هو كقولك للرجل : هو يريد بك الشر حسدا وبغيا ". و قال تعالى (( فإنما يقول له كن فيكون ...)) قال : " رفع لا يكون نصبا وإنما هي مردورة على ( يقول ) (( فإنما يقول له كن فيكون )) وكذلك قوله (( ويوم يقول له كن فيكون قوله الحق )) رفع لا غير ، وأما التي في النحل (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون )) فإنها نصب وكذلك التي في يس نصب لأنها مردودة على فعل قد نصب بأن وأكثر القراء على رفعهما ، والرفع صواب ، وذلك أن تجعل الكلام مكتفيا عند قوله ((  إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ))  فقد تم الكلام ،ثم قال:" فسيكون ماأراد الله وإنه لأحب الوجهين إلي وإن كان الكسائي لا يجيز الرفع فيهما ويذهب إلى النسق "

وقوله تعالى (( ولا تسئل عن أصحاب الجحيم )) قال الفراء " قرأها ابن عباس وأبوجعفر محمد بن علي بن الحسين جزما وقرأها بعض أهل المدينة جزما وجاء التفسير بذلك إلا أن التفسير على فتح التاء على النهي، والقراء بعد على رفعها على الخبر وليست تسئل " وفي قراءة أبي   (( وماتسأل )) ، وفي قراءة عبدالله : (( ولن تسأل )) وهما شاهدان للرفع. وقوله تعالى : (( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ...)) قال الفراء " وقدقرأت القراء بمعنى الجزم ( والتفسير مع أصحاب الجزم ) ومن قرأ (( واتخذوا )) ففتح الخاء كان خبرا يقول : (( جعلناه مثابة لهم  واتخذوه مصلى وكل صواب إن شاء الله " . قال تعالى : (( ووصى بها إبراهيم بنيه يابني إن الله اصطفى لكم الدين ))       قال : " وفي احدى القرائتين قراءة عبدالله بن أبي (( يابني إن الله اصطفى لكم الدين )) يوقع وصى على ( أن ) يريد وصاهم ( بأن ) وليس في قراءتنا  ( أن ) وكل صواب ، فمن ألقاها قال الوصية قول ، وكل كلام راجع إلى القول جاز فيه دخول( أن )وجاز إلقاء (أن )كما قال الله عزوجل في النساء  (( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين لأن الوصية كالقول " ثم قال : " فأما الذي يأتي بمعنى القول فتظهر فيه أن مفتوحة " ثم استدل بقوله تعالى " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك))  وقوله تعالى:((فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين )) وقوله تعالى (( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين )) .

وقوله تعالى : (( قل بل ملة إبراهيم حنيفا )) قال الفراء (( ملة إن نصبتها كان صوابا وإن نصبتها بفعل مضمر كان صوابا كقولك بل نتبع ملة إبراهيم )) .  وقوله تعالى : (( صبغة الله )) قال الفراء نصب مردودة على الملة ، ثم قال " ولورفعت كان صوابا كماتقول العرب : جدك لا كدك وجدك لا كدك ، فمن رفع أراد هي ملة إبراهيم ، وهي صبغة الله وهو جدك ،ومن نصب أضمر مثل الذي قلت لك من الفعل ".  وقال تعالى (( ولئن أتيت الذين كفروا بكل آية ماتبعوا قبلتك )) قال الفراء " أجب بـ لئن بمايجاب به لو، ولو في المعنى ماضية ولئن مستقبلة ، ولكن الفعل ظهر بينهما فأجبنا بجواب واحد ، وشبهت كل واحدة بصاحبتها ".  وفي قوله تعالى : (( أينما تكونوا  ...))  قال الفراء : " إذا رأيت حروف الاستفهام قد وصلت بما مثل أينما و متى وما وأي وحيث ما وكيف ما و( وأياما تدعوا ) كانت جزاء ولم تكن استفهاما فإذا لم توصل بـ( ما ) كان الأغلب عليها الاستفهام وجاز فيها الجزاء .

ثم قال :" فإذا كانت جزاء جزمت الفعلين الفعل الذي مع أينما وأخواتها وجوابه كقوله (( أينما تكونوا يأت بكم الله ...)) .

ثم قال (( فإن دخلت الفاء في الجواب رفعت فقلت في مثله ممن الكلام أينما تكن فآتيك كذلك قوله تعالى (( ومن كفر فأمتعه )) .

وقال " فإذا ماكانت استفهاما رفعت الفعل الذي يلي أين وكيف ثم تجزم الفعل الثاني ليكون جوابا للاستفهام بمعنى الجزاء كما قال تعالى (( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم )) ثم أجاب الاستفهام بالجزم فقال تبارك وتعالى (( ويغفر لكم ذنوبكم )) .                         وفي قوله تعالى (( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم...))  قال الفراء : ": يقول القائل كيف أستثني الذين ظلموا في هذا الموضع ؟ ولعلهم توهموا أن مابعد إلا يخالف ما قبلها ، فإن كان ماقبل إلا فاعلا كان الذي بعدها خارجا من الفعل الذي يذكر وإن كان نفي عماقبلها الفعل ثبت لما بعدها إلا كماتقول : ذهب الناس إلا زيدا فزيد خارج من الذهاب " . وقال : " فقوله " إلا الذين ظلموا " معناه إلا الذين ظلموا منهم فلا حجة لهم فلا تخشوهم " . ثم قال " وقال بعض النحويين إلا في مثل هذا الموضع بمنزلة الواو وكأنه قال " لئلا يكون للناس عليكم حجة " إلا الذين ظلموا فهذا صواب في التفسير خطأ في العربية ، وإنما تكون إلا بمنزلة الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها فهناك تصير بمنزلة الواو كقولك : لي علي فلان ألف إلا عشرة إلا مائة ، تريد بالثانية أن ترجع على الألف كأنك أغفلت المسألة فاستدركتها فقلت اللهم إلا مائة."

 

المبحث الثالث : التوجيه الدلالي

قال تعالى : (( ياأيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا ..)) قال الفراء : " وهو من الإرعاء والمراعاة ... "    أما قوله تعالى: (( فقد ضل سواء السبيل )) قال الفراء " سواء في مثل هذا الموضع قصر وقد تكون ( سواء ) في مذهب غيره كقولك للرجل : " أتيت سواءك "   أما قوله تعالى :((أولئك ماكان لهم أن يدخلوها إلا خائفين )).قال: " هذه الروم كانوا غزاة بيت المقدس فقتلوا وحرقوا وخربوا المسجد "

وقوله تعالى " (( لهم في الدنيا خزي ... )) 

قال الفراء " إن مدينتهم الأولى أظهر الله عليها المسلمين فقاتلوهم وسبوا الذراري والنساء ذلك الخزي ."

وقوله تعالى :(( كل له قانتون ))

قال الفراء "  مطيعون ، وهذه خاصية لأهل الطاعة ليست بعامة "

وقوله تعالى : :)تشابهت قلوبهم )) .قال الفراء " تشابهت قلوبهم في اتفاقهم على الكفر "

وقوله تعالى : (( لايقبل منها عدل )) . قال " فدية "

وقوله تعالى :(( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ...))قال :" أمره بخلال عشر من السنة خمس في الرأس وخمس في الجسد فأما اللاتي في الرأس فالفرق وقص الشارب والاستنشاق والمضمضة والسواك ، وأما التي في الجسد فالختان وحلق العانة ، وتقليم الأظافر ، ونتف الرفغين يعني الابطين"وقوله تعالى : (( لا ينال عهدي الظالمون )) قال " لا يكون للمسلمين إمام مشرك " 

وقوله :(( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا )) قال :" يتوبون إلى الله من المثابة والمثاب "     وقوله تعالى (( وامنا )) قال : " يقال إن من جنى جناية أو أصاب جناية أو أصاب حدا ثم عاذ بالحرم لم يقم عليه حده حتى يخرج من الحرم ويؤمر ألا يخالط ولا يبايع وأن يضيق عليه حتى يخرج ليقام عليه الحد ، فذلك أمنه ".  وقوله تعالى : ((  أن طهر بيتي ...)) قال :" يريد الأصنام ألا تعلق فيه "

وقوله : (( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل )) قال الفراء: " يقال هي أساس البيت واحدتها قاعدة ومن النساء اللاتي قعدن عن المحيض قاعد بغير هاء ، ويقال لإمرأة الرجل قعيدته "

وقوله تعالى : (( فولوا وجوهكم شطره )) قال الفراء :" نحوه وتلقاءه ، ومثله في الكلام ول وجهك شطره وتلقاءه وتجاهه "

وقوله تعالى : ((وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون )) قال الفراء :" المعنى أنهم لايؤمنون بأن القبلة التي صرف الناس إليها محمد – صلى الله عليه وسلم - قبله إبراهيم عليه السلام وعلى جميع الأنبياء"

وقوله :(( ولكل وجهة )) قال الفراء :" يعني قبلة " 

  

المبحث الرابع : توجيه القراءة 

قال تعالى :(( ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا ...)) قال الفراء :" هو من الارعاء والمراعاة ، وفي قراءة عبدالله " لا تقولوا راعونا " ، وذلك لأنه كلمة باليهودية شتم ..." .

وقال في قول الله تعالى :(( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ...)) يريد يهوديا فحذفت الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية ، وهي قراءة أبي وعبدالله :(( إلا من كان يهوديا أونصرانيا )).

وفي قوله تعالى :(( لاينال عهدي الظالمين)) قال:" وفي قراءة عبدالله (لاينال عهدي الظالمون )) وقد فسر هذا لأن مانالك فقد نلته ، كما تقول : نلت خيرك ونالني خيرك" . وفي قوله تعالى :   (( ربنا تقبل منا )) قال الفراء :" ويقولان ربنا "

أما قوله تعالى :(( وما أنزل على الملكين ...)) قال :" القراء يقرؤون المَلَكين من الملائكة ، وكان ابن عباس يقول الملِكين من الملوك ".

وقوله تعالى : (( ماننسخ من آية أو ننسها )) قال " عامة القراء يجعلونها من النسيان ، وفي قراءة عبدالله :(( ماننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها أو خير منها )) وفي قراءة سالم مولى أبي حذيفة (( ماننسخ من آية أو ننسكها )) فهذا يقوي النسيان ."

وقوله : (( وأرنا مناسكنا ...)) قال الفراء :" وفي قراءة عبدالله مناسكهم " ذهب إلى الذرية. أما قوله تعالى (( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ...)) قال  :" في مصاحف أهل المدينة "وأوصى ".وفي قوله ((ولكل وجهة هو موليها )) قال الفراء :" وقد قرأ ابن عباس وغيره (( هو مولاها )) وكذلك قرأ أبو جعفر محمد بن علي ، فجعل الفعل واقعا عليه ، والمعنى واحد ".

الخاتمة : 

وبعد هذا الاستعراض السريع لكتاب( معاني القرآن ) للفراء الخمسين الصفحة الثانية من الجزء الأول ، يمكننا القول بأن الامام الفراء حاول أن يبث منهجه النحوي وهو المنهج الكوفي من خلال تعليقاته على هذا الكتاب خصوصا إذا علمنا أن هذا الكتاب يعتبر المرجع الأساس لمذهب الكوفة في النحو ، أما مسألة توجية القراءة فمن خلال الآيات التي مرت من خلال هذا البحث لم نره يتعرض لأي من هذه القراءات بالتضعيف أو التشذيذ  بل كثيرا ماكان يؤيد القراءات التي ترد في الآية الواحدة . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأكثر قراءة

أنزل اللهُ تعالى القرآن الكريم باللّغة العربيّة على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون هادياً للناسِ ونذيراً ودستوراً دائماً لهم: (إنَّ أَنزَلنَاهُ قُرآناً عَربِيّاً لَعلّكُم تَعقلُون)، ووعد جلَّ جلاله بصونه من النّسيان والتّحريف، قال: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون)
منهج الفراء الدلالي والنحوي من خلال كتابه معاني القرآن

أنزل اللهُ تعالى القرآن الكريم باللّغة العربيّة على النّبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون هادياً للناسِ ونذيراً ودستوراً دائماً لهم: (إنَّ أَنزَلنَاهُ قُرآناً عَربِيّاً لَعلّكُم تَعقلُون)، ووعد جلَّ جلاله بصونه من النّسيان والتّحريف، قال: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون)

عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]:
أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3].

:
عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]:
أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3].
 
وثانيها: حَدَث: وهو "فعل الفاعل"، فلو قلنا: قام زيدٌ، فإن القيامَ حَدَث له صورة في ذهن السامع والمُتكلِّم، و كلُّ حدث لا بدَّ له من زمنٍ مصاحبٍ له؛ أي: وقت يقع فيه، وهذا يسمِّيه النحاة: "الفعل".
أنواع الكلمة وأهمية تحديد النوع

عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]: أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3]. : عرَفْنا أنَّ الكلمة هي: "اللفظُ الدَّالُّ على معنًى مفردٍ"، والمعنى الذي تدل عليه الكلمة ينحصر في ثلاثِ دلالاتٍ[1]: أولها: ذات: وهي "ما تُدرك بالحسِّ"[2]؛ كالإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو "تُدرك بالعقل"؛ كالعلم، والشجاعة، والشرف، والنُّبوغ، وهذا ما يُسميه النحاة: "الاسم"، وسواءٌ كان المعنى متعلِّقًا بالحسِّ أو العقل، فإن الزمن هنا لا وجودَ له[3]. وثانيها: حَدَث: وهو "فعل الفاعل"، فلو قلنا: قام زيدٌ، فإن القيامَ حَدَث له صورة في ذهن السامع والمُتكلِّم، و كلُّ حدث لا بدَّ له من زمنٍ مصاحبٍ له؛ أي: وقت يقع فيه، وهذا يسمِّيه النحاة: "الفعل".

العوارض لغةً:
العوارض: جمع عارض؛ قال الأزهري ت 370هـ: "كل مانعٍ منَعك من شغلٍ وغيره من الأمراض، فهو عارض، وقد عرَض عارضٌ؛ أي: حال حائلٌ، ومنَع مانعٌ، ومنه قيل: لا تَعرِض لفلان؛ أي: لا تَعترض له، فتَمنَعه باعتراضك أن يقصد مرادَه، ويذهب مَذهبه، ويقال: سلكتُ طريقَ كذا، فعرَض لي في الطريق عارضٌ؛ أي: جبل شامخ قطَع عليَّ مذهبي"[1].


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/103490/#ixzz4E8qLYOgu
تعريفات العوارض الكلامية

العوارض لغةً: العوارض: جمع عارض؛ قال الأزهري ت 370هـ: "كل مانعٍ منَعك من شغلٍ وغيره من الأمراض، فهو عارض، وقد عرَض عارضٌ؛ أي: حال حائلٌ، ومنَع مانعٌ، ومنه قيل: لا تَعرِض لفلان؛ أي: لا تَعترض له، فتَمنَعه باعتراضك أن يقصد مرادَه، ويذهب مَذهبه، ويقال: سلكتُ طريقَ كذا، فعرَض لي في الطريق عارضٌ؛ أي: جبل شامخ قطَع عليَّ مذهبي"[1]. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/103490/#ixzz4E8qLYOgu





التنازع: أنْ يطلب المعمولَ عاملان تقدّما عليه. نحو قولك: [سافر وعاد خالدٌ]. فكلٌّ من الفعلين المتقدمَيْن: [سافر ورجع] يطلب فاعلاً هو كلمة: [خالدٌ]. ونحو الآية: ]آتوني أُفْرِغْ عليه قِطْراً[ (الكهف 18/96) فكلٌّ من الفعلين المتقدمين: [آتوني وأفرغ] يطلب مفعولاً به، هو كلمةُ [قِطراً]: (القِطر النحاس الذائب).



الحكْم:

لك أن تُعمِل في الاسم الظاهر أيَّ العاملين شئت، فيكون العامل الآخرُ عاملاً في الضمير(1).

* * *

نماذج مشروحة من التنازع!!

(النماذج هنا والتعليق عليها مقبوسان من شرح ابن عقيل)

ظنَّني وظننتُ زيداً قائماً إيّاه - ظننتُ وظنّنيهِ زيداً قائماً.

ظننتُ وظنّني إيّاه زيداً قائماً - أظنُّ ويظنّاني زيداً وعمراً أخوين.

ولقد رأى ابن عقيل - أثابه الله- أنّ ما صاغه ابن مالك ومثّل له، في باب التنازع، محتاج إلى شيءٍ !! من الشرح، وهو قولُه:

وأظهرِ انْ يكن ضمير خَبَرا لغير ما يطابق المفسَّـرا 

نحو: أظنُّ ويظنّاني أخَا زيداً وعمراً أخوين في الرَخا

فانبرى يشرح ذلك فقال ما نصّه: (1/555)

[يجب أنْ يُؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدمُ مطابقته لما يفسِّره، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّرُهُ مثنى، نحو (أظن ويظناني زيداً وعمراً أخوين) فـ (زيداً) مفعول أوّل لأظُنُّ، و(عمراً) معطوف عليه، و(أخوين): مفعول ثانٍ لأظنُّ، والياء: مفعول أوّل ليظنّان، فيحتاج إلى مفعول ثانٍ. فلو أتيت به ضميراً فقلت: (أظنّ ويظناني إيّاه زيداً وعمراً أخوين)، لكان (إيّاه) مطابقاً للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين)؛ لأنه مفرد، و(أخوين) مثنى؛ فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز].

وتابع ابن عقيل شرحه وتبيينه فقال (1/556):

[وإن قلت: (أظنُّ ويظنّاني إيّاهما زيداً وعمراً أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ وذلك لكون (إيّاهما) مثنى، و(أخوين) كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني - الذي هو خبر في الأصل - للمفعول الأول، الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو (إيّاهما)، ولابدّ من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار؛ فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيداً وعمراً أخوين). فـ (زيداً وعمراً أخوين): مفعولا أظنّ، والياء مفعول يظنان الأول، و(أخا) مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة - حينئذٍ - من باب التنازع لأن كلاً من العاملَين عمل في ظاهر].
مفهوم التنازع في العربية

التنازع: أنْ يطلب المعمولَ عاملان تقدّما عليه. نحو قولك: [سافر وعاد خالدٌ]. فكلٌّ من الفعلين المتقدمَيْن: [سافر ورجع] يطلب فاعلاً هو كلمة: [خالدٌ]. ونحو الآية: ]آتوني أُفْرِغْ عليه قِطْراً[ (الكهف 18/96) فكلٌّ من الفعلين المتقدمين: [آتوني وأفرغ] يطلب مفعولاً به، هو كلمةُ [قِطراً]: (القِطر النحاس الذائب). الحكْم: لك أن تُعمِل في الاسم الظاهر أيَّ العاملين شئت، فيكون العامل الآخرُ عاملاً في الضمير(1). * * * نماذج مشروحة من التنازع!! (النماذج هنا والتعليق عليها مقبوسان من شرح ابن عقيل) ظنَّني وظننتُ زيداً قائماً إيّاه - ظننتُ وظنّنيهِ زيداً قائماً. ظننتُ وظنّني إيّاه زيداً قائماً - أظنُّ ويظنّاني زيداً وعمراً أخوين. ولقد رأى ابن عقيل - أثابه الله- أنّ ما صاغه ابن مالك ومثّل له، في باب التنازع، محتاج إلى شيءٍ !! من الشرح، وهو قولُه: وأظهرِ انْ يكن ضمير خَبَرا لغير ما يطابق المفسَّـرا نحو: أظنُّ ويظنّاني أخَا زيداً وعمراً أخوين في الرَخا فانبرى يشرح ذلك فقال ما نصّه: (1/555) [يجب أنْ يُؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدمُ مطابقته لما يفسِّره، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّرُهُ مثنى، نحو (أظن ويظناني زيداً وعمراً أخوين) فـ (زيداً) مفعول أوّل لأظُنُّ، و(عمراً) معطوف عليه، و(أخوين): مفعول ثانٍ لأظنُّ، والياء: مفعول أوّل ليظنّان، فيحتاج إلى مفعول ثانٍ. فلو أتيت به ضميراً فقلت: (أظنّ ويظناني إيّاه زيداً وعمراً أخوين)، لكان (إيّاه) مطابقاً للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين)؛ لأنه مفرد، و(أخوين) مثنى؛ فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز]. وتابع ابن عقيل شرحه وتبيينه فقال (1/556): [وإن قلت: (أظنُّ ويظنّاني إيّاهما زيداً وعمراً أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ وذلك لكون (إيّاهما) مثنى، و(أخوين) كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني - الذي هو خبر في الأصل - للمفعول الأول، الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو (إيّاهما)، ولابدّ من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار؛ فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيداً وعمراً أخوين). فـ (زيداً وعمراً أخوين): مفعولا أظنّ، والياء مفعول يظنان الأول، و(أخا) مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة - حينئذٍ - من باب التنازع لأن كلاً من العاملَين عمل في ظاهر].

الأصل في حروف الجر أَن يكون لكلِّ حرف منها مكانٌ يحله، ومعنًى يؤدِّيه حين تركيبه مع غيره؛ لأنَّ الحرف بصِفة عامَّة: هو ما دلَّ على معنًى في غيره، غير أنَّ العرَب تتوسَّع فيها، فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربَت المعاني [1]
تناوب حروف الجر

الأصل في حروف الجر أَن يكون لكلِّ حرف منها مكانٌ يحله، ومعنًى يؤدِّيه حين تركيبه مع غيره؛ لأنَّ الحرف بصِفة عامَّة: هو ما دلَّ على معنًى في غيره، غير أنَّ العرَب تتوسَّع فيها، فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربَت المعاني [1]

مواضيع عشوائية